عبد الرزاق اللاهيجي

8

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

لرجوع مباحثه إليه قالوا إن المتكلم ينظر في أعم الأشياء وهو الموجود فيقسمه إلى قديم ومحدث والمحدث إلى جوهر وعرض والعرض إلى ما يشترط فيه الحياة كالعلم والقدرة وإلى ما لا يشترط فيه الحياة كالطعم واللون ويقسم الجوهر إلى الحيوان والنبات والجماد ويبيّن ان اختلافها بالأنواع أو بالاعراض وينظر في القديم فيبيّن انه لا يتكثر ولا يتركب وانّه يتميز عن المحدث بصفات يجب له وأمور يمتنع عليه واحكام يجوز في حقّه من غير وجوب أو امتناع ويبيّن ان أصل الفعل جائز عليه وان العالم فعله الجائز فيفتقر لجوازه إلى محدث وانه تعالى قادر على بعث الرّسل وعلى تعريف صدقهم بالمعجزات وان هذا وقع وحينئذ ينتهى تصرف العقل ويأخذ في التلقي من النبي [ / ص / ] الثابت عنده صدقه لقبول ما يقوله من اللّه تعالى في امر المبدأ والمعاد ثمّ لما كان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات قيّدوا الموجود هاهنا بحيثيته كونه متعلقا للمباحث الجارية على قانون الاسلام اى الطريقة المعهودة المسماة بالدين والملة والقواعد المعلومة قطعا من الكتاب والسنة مثل كون الواحد موجدا للكثير وكون الملك نازلا من السماء وكون العالم مسبوقا بالعدم وفانيا بعد الوجود إلى غير ذلك من القواعد التي يقطع بها في الاسلام دون الفلسفة فيتميز الكلام عن الإلهي بهذا الاعتبار أقول وهذا الاعتبار هو الّذي اخرج الأدلة الكلامية من البرهان إلى الجدل فإنّ أمثال هذه احكام ظاهرية مقبولة ليست بقطعية غير محتملة للتأويل سيّما فيما يتعلق بأحوال المبدأ والأمور الغائبة عنا بل الظاهر انّ أكثرها تمثيلات للحقائق وتنبيهات على الدقائق لا ينبغي الوقوف على ظواهرها والجمود على متبادرها فان من ذلك قد تولد التشبيه والتجسيم فيما بينهم كما في قوله تعالى الرحمن على العرش استوى وكما في الحديث الّذي يروونه انكم سترون ربكم يوم القيمة كما ترون القمر ليلة البدر إلى غير ذلك نعم كان الأصوب ان لا يقع الاستكشاف عنها والكلام فيها بل كان ينبغي الايمان بحقايقها على حدّ ما يفهمونه على تفاوت عقولهم ومراتب أفهامهم كما كان في الصّدر الأول فلما وقع الاستكشاف عنها وحدث الكلام وشاع الاختلاف فالواجب ان يصار إلى مقتضى العقول الصريحة والآراء الصحيحة ويرجع إلى قوانين النظر والاستدلال البرهاني الموجب لليقين المبتنى على المقدمات البرهانية القطعية العقلية الصرفة لمن أراد الترقي عن حضيض التقليد إلى ذروة التحصيل وان أدى إلى ترك الظواهر ورفض المتبادر لاستقلال العقل في أحوال المبدأ وساير العقليات بخلاف ما يتعلق بالعمليات والأمور التي لا يستقل مجرد العقل فيها وهذا ما وعدناك في صدر المقدمة من أن الاعتماد على الدلائل الكلامية من حيث هي كلامية غير مجد في تحصيل العقائد الدينية بل جدواها انما هو حفظ العقائد اجمالا على العقول القاصرة الغير القادرة على البلوغ إلى درجة اليقين التفصيلي والتحقيق التحصيلي هذا ثمّ انّه اعترض في المواقف على كون موضوع الكلام هو الموجود بما هو موجود بأنه قد يبحث في الكلام عن أحوال المعدوم والحال وعن أحوال أمور لا يتوقف تلك الأحوال على كون تلك الأمور موجودة في الخارج سواء كانت موجودة فيه أم لا كالنظر والدليل فيقال مثلا النظر الصحيح يفيد العلم أم لا والدليل وجه دلالته كذا وينقسم إلى كذا فان هذه كلها مسائل كلامية ولا يعتبر فيها وجود موضوعاتها في الخارج ولا يجوز ان يؤخذ الموجود أعم من الذهني والخارجي ليعمّ الكل لان المتكلمين لا يقولون بالوجود الذهني وبأن المبنى على قانون الاسلام ما هو الحق من المسائل الكلامية إذ المسائل الباطلة خارجة عن قانون الاسلام قطعا فان